القاضي عبد الجبار الهمذاني
139
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إن كون الفعل دلالة على القبيح لا يقتضي قبح الفعل ؛ كما أن الخبر عن القبيح والعلم به لا يجب قبحهما لتعلقهما بالقبيح . وقد بينا في غير موضع أن حال الدلالة كحال العلم والصدق في تعلقهما بما يدلان « 1 » عليه . فكيف يصح أن نحكم بقبح الفعل من حيث دل على وقوع قبيح آخر من فاعله . فلو كان لا وجه لقبح ما قلنا إنه مفسدة إلا كونه دلالة من حال فاعله على أنه مريد للفساد لوجب أن لا يكون قبيحا . وذلك يبين أنه إنما قبح لما قدّمناه ذكره . يبين صحة ما ذكرناه أنه قد يجب على أحدنا أن يظهر « 2 » من نفسه ارتكاب بعض القبائح في بعض الأحوال عند توبة أو اعتذار ، ويحسن ذلك منه كما يحسن منه أن يعلم ذلك من حاله . فلو قبحت دلالة القبيح ، لوجب أن يقبح ما ذكرناه . فإن قال : فيجب أن لا يقبح ما يدل على القبيح البتة ؛ وذلك بخلاف ما يجرى في الكتب . قيل له : إنا لا ننكر أن يقبح ذلك لوجه آخر سوى كونه دالا على القبيح ، كما يقبح الخبر الصدق إذا قبح مخبره لوجه سوى كونه متناولا للقبيح ؛ وإن كان شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه ، يعتمد في المفسدة أنها إنما تقبح منه تعالى لأنها تدل أنه مريد للفساد . والّذي قدّمناه أقوى في فساده . وإن حكم بقبحه من وجه آخر فلا مطعن بذلك في كلامه / والظاهر من قوله في كتاب اللطف وغيره أنه حكم بقول من هذا الوجه فلذلك استمرّ الطعن عليه ، وإن كان ربما مرّ في كلامه ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يفعله لهذه العلة ، وهذا صحيح لأنه تعالى لا يجوز أن يفعل ما يدل على أنه تعالى مريد للفساد من حيث بينت أنه تعالى يتعالى عن إرادة الفساد ، فلا يجوز أن يدل على الشيء بخلاف ما هو « 3 » به ، ويصير
--> ( 1 ) في الأصل : يدل . ( 2 ) في الأصل : يطهر . ( 3 ) أي الشيء .